الشيخ محمد النهاوندي
480
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
ثمّ بعد ذلك تَصْلى وتدخل ناراً حامِيَةً وبالغة أعلى درجة الشدّة في الحرارة تُسْقى تلك الوجوه وأصحابها بعد استغاثتهم في مدّة طويلة من شدّة العطش مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ومتناهية في الحرارة . قيل : لو وقعت قطرة منها على جبال الدنيا لذابت ، وإذا أدنيت من وجوههم تناثرت لحومها ، وإذا شربوا قطعت أمعاءهم « 1 » . لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ وشوك يابس فيه سمّ قاتل ، كما قيل « 2 » . وعن ابن عباس : الضريع شيء في النار يشبه الشوك ، أمر من الصبر ، وأنتن من الجيفة ، وأشدّ حرّا من النار « 3 » . أقول : الظاهر أن المراد نار الدنيا . قيل : هذا طعام بعض أهل النار ، والزقّوم والغسلين طعام آخرين « 4 » . عن الصادق عليه السّلام في تأويل الآيات هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ قال : « يغشاهم القائم عليه السّلام بالسيف خاشِعَةٌ لا تطيق الامتناع عامِلَةٌ قال : عملت بغير ما أنزل اللّه ناصِبَةٌ قال نصبت غير ولاة أمر اللّه تَصْلى ناراً الحرب في الدنيا على عهد القائم ، وفي الآخرة نار جهنم » « 5 » . ثمّ روي أنّ كفار قريش قالوا استهزاء : إنّ الضريع ليسمن إبلنا « 6 » ، فنزلت لا يُسْمِنُ الضريع آكله ، لأنّه يصير جزء بدنه وَلا يُغْنِي ولا يكفي مِنْ جُوعٍ لأنّه ليس بطعام للبهائم فضلا عن الإنس ، إذ ليس فيه منافع الغذاء ، بل أكله عذاب فوق العذاب . [ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 8 إلى 16 ] وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) ثمّ لمّا ذكر سبحانه سوء حال الكفّار في الآخرة ، بيّن حسن حال المؤمنين فيها بقوله : وُجُوهٌ اخر يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ومبتهجة وحسنة مضيئة ، أو متنعّمة بالنّعم الجسمانية والروحانية لِسَعْيِها وعملها في الدنيا راضِيَةٌ لرضائها بثمراتها وثوابها متمكّنة فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ومرتفعة فوق السماوات ، أو عالية المقدار لكمال شرفها وما فيها من النّعم لا تَسْمَعُ تلك الوجوه فِيها كلمة
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 413 . ( 2 و 3 ) . تفسير روح البيان 10 : 413 . ( 4 ) . تفسير الرازي 31 : 153 . ( 5 ) . الكافي 8 : 50 / 13 ، تفسير الصافي 5 : 321 . ( 6 ) . تفسير الرازي 31 : 153 .